أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
222
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قتل تغريقا . ومنه قول ذي الرمة : 462 - إذا غرّقت أرباضها ثني بكرة * بتيهاء لم تصبح رؤوما سلوبها « 1 » قوله : وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ جملة من مبتدأ أو خبر في محلّ نصب على الحال من « آلَ فِرْعَوْنَ » والعامل « أَغْرَقْنا » ، ويجوز أن يكون حالا من مفعول « أنجيناكم » . والنظر يحتمل أن يكون بالبصر لأنهم كانوا يبصرون بعضهم بعضا لقربهم . وقيل : إنّ آل فرعون طفوا على الماء فنظروا إليهم ، وأن يكون بالبصيرة والاعتبار . وقيل : المعنى وأنتم بحال من ينظر لو نظرتم ، ولذلك لم يذكر له مفعول . قوله تعالى : واعَدْنا . . قرأ أبو عمرو هنا وما كان مثله ثلاثيا ، وقرأه الباقون : « واعدنا » بألف . واختار أبو عبيد قراءة أبي عمرو ، ورجّحها بأنّ المواعدة إنما تكون من البشر ، وأمّا اللّه تعالى فهو المنفرد بالوعد والوعيد ، على هذا وجدنا القرآن ، نحو : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ « 2 » وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ « 3 » وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ « 4 » وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ « 5 » ، وقال مكي مرجّحا لقراءة أبي عمرو أيضا : « وأيضا فإنّ ظاهر اللفظ فيه وعد من اللّه لموسى ، وليس فيه وعد من موسى فوجب حمله على الواحد بظاهر النص » ثم ذكر جماعة جلّة من القراء عليها . وقال أبو حاتم مرجّحا لها أيضا : « قراءة العامّة عندنا : وعدنا - بغير ألف - لأن المواعدة أكثر ما تكون من المخلوقين والمتكافئين » . وقد أجاب الناس عن قول أبي عبيد وأبي حاتم ومكي بأن المفاعلة هنا صحيحة ، بمعنى أنّ موسى نزّل قبوله لالتزام الوفاء بمنزلة الوعد منه ، أو أنّه وعد أن يعنى بما كلّفه ربّه . وقال مكي : « المواعدة أصلها من اثنين ، وقد تأتي بمعنى فعل نحو : طارقت النعل » ، فجعل القراءتين بمعنى واحد ، والأول أحسن . ورجّح قوم « واعدنا » . قال الكسائي : « وليس قول اللّه : « وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا » « 6 » من هذا الباب في شيء ؛ لأن واعدنا موسى إنما هو من باب الموافاة ، وليس من الوعد في شيء ، وإنما هو من قولك : موعدك يوم كذا وموضع كذا ، والفصيح في هذا « واعدنا » . وقال الزجاج : « واعدنا » بالألف جيّد ، لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة ، فمن اللّه وعد ، ومن موسى قبول واتّباع ، فجرى مجرى المواعدة » . وقال مكي أيضا : « والاختيار « واعدنا » بالألف ، لأنه بمعنى وعدنا ، في أحد معنييه ، وأنه لا بدّ لموسى من وعد أو قبول يقوم مقام الوعد فصحّت المفاعلة » . و « وعد » يتعدّى لاثنين ، فموسى مفعول أول ، وأربعين مفعول ثان ، ولا بدّ من حذف مضاف ، أي : تمام أربعين ، ولا يجوز أن ينتصب على الظرف لفساد المعنى وعلامة نصبه الياء لأنه جار مجرى جمع المذكر السالم ، وهو في الأصل مفرد اسم جمع ، سمّي به هذا العقد من العدد ، ولذلك أعربه بعضهم بالحركات ومنه في أحد القولين قوله : 463 - وماذا يبتغي الشعراء مني * وقد جاوزت حدّ الأربعين « 7 » بكسر النون ، و « ليلة » نصب على التمييز ، والعقود التي هي من عشرين إلى تسعين وأحد عشر إلى تسعة عشر
--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 701 ) ، إصلاح المنطق ( 72 ) ، القرطبي ( 1 / 389 ) . ( 2 ) سورة النور ، آية ( 55 ) . ( 3 ) سورة الفتح ، آية ( 10 ) . ( 4 ) سورة إبراهيم ، آية ( 22 ) . ( 5 ) سورة الأنفال ، آية ( 7 ) . ( 6 ) سورة النور ، آية ( 55 ) . ( 7 ) البيت لجرير انظر ديوانه ( 577 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 5 / 11 ) ، الأصمعيات ( 19 ) ، أوضح المسالك ( 1 / 44 ) ، الدرر ( 1 / 22 ) ، الخزانة ( 3 / 411 ) .